أبي منصور الماتريدي

395

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وحياته لم ينتفع بنور الآخرة وجزائها . وكذلك الذي ذهب عنه ضوء البرق يبقى متحيرا ؛ إذ به يبصر الطريق كمن يذهب عنه بصر القلب ؛ إذ به يبصر عواقب الأشياء . بل الذي قصد السلوك بالبروق ، والاستضاءة بنور النار ، إذا ذهب كان أعظم حسرة وأشد خوفا من النار ، وشدة المطر ، وخبث الطريق من الذي لم يعرف - في الابتداء - نفع النار أو البرق ، ويكره المطر على شدة رغبته فيه ، والنار بما ذهب منه . وكذلك المنافق في الآخرة إن لم يكن منه ما أظهر إذ به يرد إلى درك الأسفل ، ولا قوة إلا بالله . وكذلك الكافر لم يبصر - بما أعطاه من البصر - عواقب البصر الظاهر ، ولا يسمع - بما أنعم عليه من السمع - عواقب السمع ؛ إذ حق ذلك أن يؤدى ذلك ما أدركه إلى العقل ليعتبر به أنه لم يخلق شئ من ذلك بالاستحقاق ، ولا يحتمل عقله الإحاطة بكنه ما فيه من الحكمة ، فيعلم عظم نعمة الله وخروج مثله عن العبث ، فيقوم بأداء شكره ؛ وبذلك يصير به إلى الجزاء في العواقب ، ولا قوة إلا بالله . وقوله عزّ وجل : صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ . يحتمل وجهين : أحدهما : صم ؛ لأنه ختم على آذانهم ، وعلى سمعهم ، وعلى قلوبهم ؛ فلا يسمعون ، ولا يبصرون ، ولا يعقلون . ويحتمل : أنهم صم بكم عمى ؛ لما لم ينتفعوا بأسماعهم ، وأبصارهم ، وقلوبهم . ثم اختلف في جواز إضافة لفظ « الاستهزاء » إلى الله تعالى : فأجازه قوم ، وإن كان ذلك قبيحا من الخلق ؛ لما قبح منهم بما لا أحد يستهزئ بأحد - إما لجهله ، أو لقبح في الخلقة ، أو لزيادة في الخلق - إلا والمستهزئ نحو هذه قد يحتمل ذلك لولا إنعام الله عليه الذي قد أغفل عنه ، أو لدناءة في الخلق باشتغاله بما ذكر ، مع ما لعل الإغفال من هذا أوحش ، وأقبح من حال المستهزأ به . ولذلك قال عزّ وجل : لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ . . . الآية [ الحجرات : 11 ] . وذلك نحو التكبر : أنه قبيح من الخلق ، بما لهم أشكال في الحدث ، وآثار الصنعة ، واحتمال كل منهم بما احتمل غيره . وجائز إضافته إلى الله تعالى ، لتعاليه عن الأشباه والأشكال ، وإحالة احتمال ما احتمل